الشوكاني

348

فتح القدير

قبلها ، لأن من أطعم لوجه الله لا يريد المكافأة ولا يطلب الشكر له ممن أطعمه ( إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ) أي نخاف عذاب يوم متصف بهاتين الصفتين ، ومعنى عبوسا : أنه يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته ، فالمعنى : أنه ذو عبوس . قال الفراء وأبو عبيدة والمبرد : يوم قمطرير وقماطر : إذا كان صعبا شديدا ، وأنشد الفراء : بني عمنا هل تذكرون بلاءنا * عليكم إذا ما كان يوم قماطر * قال الأخفش : القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء ، ومنه قول الشاعر : ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها * ولج بها اليوم العبوس القماطر قال الكسائي : اقمطر اليوم وازمهر : إذا كان صعبا شديدا ، ومنه قول الشاعر : * بنو الحرب أوصينا لهم بقمطرة * ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب وقال مجاهد : إن العبوس بالشفتين ، والقطمير بالجبهة والحاجبين ، فجعلهما من صفات المتغير في ذلك اليوم لما يراه من الشدائد ، وأنشد ابن الأعرابي : يقدر على الصيد بعود منكسر * ويقمطر ساعة ويكفهر قال أبو عبيدة : يقال قطمرير : أي منقبض ما بين العينين والحاجبين . قال الزجاج : يقال اقمطرت الناقة : إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها ما يسبقها من القطر ، وجعل الميم مزيدة ( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ) أي دفع عنهم شره بسبب خوفهم منه وإطعامهم لوجهه ( ولقاهم نضرة وسرورا ) أي أعطاهم بدل العبوس في الكفار نضرة في الوجود وسرورا في القلوب . قال الضحاك : والنضرة البياض والنقاء في وجوههم . وقال سعيد ابن جبير الحسن والبهاء ، وقيل النضرة أثر النعمة ( وجزاهم بما صبروا ) أي بسبب صبرهم على التكاليف ، وقيل على الفقر ، وقيل على الجوع ، وقيل على الصوم . والأولى حمل الآية على الصبر على كل شئ يكون الصبر عليه طاعة لله سبحانه ، وما مصدرية ، والتقدير : بصبرهم ( جنة وحريرا ) أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير ، وهو لباس أهل الجنة عوضا عن تركه في الدنيا امتثالا لما ورد في الشرع من تحريمه ، وظاهر هذه الآيات العموم في كل من خاف من يوم القيامة وأطعم لوجه الله وخاف من عذابه ، والسبب وإن كان خاصا كما سيأتي فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ويدخل سبب التنزيل تحت عمومها دخولا أوليا . وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( هل أتى على الإنسان ) قال : كل إنسان . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله ( أمشاج ) قال : أمشاجها عروقها . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم ( أمشاج ) قال : العروق . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( من نطفة أمشاج ) قال : ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال ( أمشاج ) ألوان : نطفة الرجل بيضاء وحمراء ، ونطفة المرأة خضراء وحمراء . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال : الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار ومنه يكون الولد . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ( كان شره مستطيرا ) قال : فاشيا . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه أيضا في قوله ( وأسيرا ) قال : هو المشرك . وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( مسكينا ) قال : فقيرا ( ويتيما ) قال لا أب له ( وأسيرا ) قال : المملوك والمشجون . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( ويطعمون